2026/01/20

[منهج التكرار لتمكين الحفظ] (طريقة مجربة لدى بعض الحُفاظ) | من إفادات د. عبدالله الأنصاري

 

[منهج التكرار لتمكين الحفظ]

(طريقة مجربة لدى بعض الحُفاظ)

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:

فإنَّ من أجَلِّ النعم التي يختص اللهُ بها من اصطفى من عباده: حفظ كتابه الكريم، واستظهار آياته في الصدور. ولما كان الوصول إلى هذا المطلب العالي يحتاج إلى مسلك قويم، ومنهج يجمع بين الرسوخ في الحفظ واليسرِ في الأداء، فقد دأب الحفاظ على تلمس تجارب الناجحين، والبحث عن الطرائق التي صقلتها الخبرة وأثبتتها الأيام. وفي هذا السياق، عرفت هذه الطريقة من الشيخ عبدالله بن محمد بن المهدي الأنصاري، وذكر لي أنه حفظ القرآن هو وأقرانه ممن كانوا معه في حلقة التحفيظ بهذه الطريقة، بعد ثبوت نجاحها بالتجربة. والشيخ الكريم أحد مدرسي القرآن الكريم واللغة العربية، وهو جزائري يُقيم في المملكة العربية السعودية.

وهذا مُعرّف حسابه في منصة إكس (تويتر سابقًا): https://x.com/ansary1432

وله مؤلفات نافعة في طرائق التعلم، منها كتابه المفيد: "التأسيس في تعليم النحو" -المبادئ الأساسية في تعلم النحو العربي-، وكتاب "الوطاءة في تسهيل التجويد".

وكنتُ قد سألته عن طرائقهم في الحفظ، حين كانوا طلابًا في حلْقات التحفيظ، فذكر لي هذه الطريقة الجادة التي شبّوا عليها، وقد استأذنته في كتابتها وترتيبها لنشرها؛ لعل الله ينفع بها من أراد ذلك، وها هي بين يديك أخي القارئ.

وهنا تنبيه لا بد من ذكره:
هذه الطريقة بطبيعتها جادة ولا تناسب إلا المُقبل الجاد على الحفظ، ولا تعني -أبدًا- أن طرائق حفظ القرآن الأخرى غير مُجدية، ولا تعني أيضًا أنّ طُرُق الحفظ مقصورة على هذا، بل المراد أنها إحدى طُرُق الحفظ التي ثبت نجاحها في إتقان القرآن حفظًا عن ظهر الغيب، فهذا القرآن عجيب في حفظ الله له، يحفظه الصغير والكبير، ويحفظه الناس منذ 1400 سنة بطرائق شتى، والهادي إلى سبيل الحق هو الله -عز وجل- يؤتي كتابه من يشاء بأضعف الأسباب وبأقوى الأسباب، يفعل ما يشاء ولا راد لفضله سبحانه.
ذكرتُ هذا لئلا يظن القارئ أن حفظ القرآن مقصور على طريقة معينة دون غيرها، فالغرض إرشاد طلاب القرآن وإعانتهم بما ثبتت جدواه من طرائق الحفظ والإتقان.


وبناء على ما سبق، ورغبةً في تحويل هذه الإشارات العامة إلى برنامج عملي دقيق، يضع قدمَ القارئِ على أول الطريق بصيرة ووضوحًا، سألتُ الشيخ الكريم عبدالله الأنصاري -حفظه الله- عدة أسئلة حول الحفظ، وكيفية تمكينه وتجويده، فأفادني بالخلاصة التالية:

أولًا: الركائز المركزية للمنهج

قبل الدخول في التفاصيل، نبه الشيخ على ركائز أساسية:

  1. محور الإتقان: العبرة بـ "التكرار مع طول الزمن".
  2. كيفية الأداء: التكرار للمحفوظ -في جميع المراحل- يجب أن يكون بصوتٍ مسموع (جهرًا)، لا بالسر.
  3. سرعة المراجعة: يجب الإسراع في المراجعة اليومية (الحدر)؛ لضمان العودة إلى بداية المصحف دون تأخر.

■■■ *** ■■■

ثانيًا: تصنيف مراتب التكرار (الهمم)

ينقسم عدد مرات التكرار بحسب همة الحافظ إلى ثلاثة أقسام:

                                                                                                               
التصنيفعدد التكرار (غيبًا)الوصف
المُقِلّون (أصحاب الهمم الضعيفة)60 - 70 مرةالحد الأدنى للإتقان.
المتوسطون130 - 150 مرةمرتبة الجودة.
أصحاب الهمم العالية (طُلّاب المهارة والرسوخ)180 - 200 مرةذروة المهارة والرسوخ.

- تنبيه: الـ (200) كَرَّة هي سقف هرم الإتقان، وطبيعة هذا التكرار أن يكون بطيئًا في بدايته سريعًا في آخره، ويفضل تقسيمه على مجلسين تفصل بينهما نومة، أو ثلاثة مجالس.

■■■ *** ■■■

ثالثًا: المنهجية التفصيلية (خطوات الحفظ اليومي)

وهي الطريقة التي استقروا عليها بعد تجارب عديدة، وتسير وفق الترتيب الآتي:

1. جلسة الحفظ (المجلس المتصل):

  • قراءة المقدار (60) مرة نظرًا من المصحف.
  • قراءة المقدار (60) مرة غيبًا.
  • شرط: أن يكون الـ (120) تكرارًا في مجلس واحد متصل لا يقطعه شيء، وإن قُطع يعاد.
  • المقدار: يرى الشيخ أن الطالب المتوسط لا يقل مقداره عن صفحة كاملة (15 سطرًا).

2. نظام التثبيت الليلي والصباحي:

  • مراجعة الدرس الجديد غيبًا قبل النوم ليلًا.
  • استظهاره (تسميعه) صباحًا فور الاستيقاظ.

3. نظام التسميع على الشيخ:

  • يجب على الطالب أن يُسمِّع من بداية السورة يوميًا، حتى وإن طالت السورة ووصل الطالب إلى أواخرها (لربط أولها بآخرها).

4. المراجعة العامة:

  • تُجرى المراجعة الدورية المعتادة يوميًا مع الإسراع فيها كما سلف.

■■■ *** ■■■

رابعًا: مرحلة التمكين (ما بعد الختمة الأولى)

بعد ختم القرآن كاملًا، يبدأ الطالب في "مرحلة الإتقان" مباشرة، وضوابطها:

  1. العودة من أول المصحف وتحديد مقدار يومي (وجه، ربع، إلخ).
  2. تكرار هذا المقدار (200) مرة غيبًا، وتكون كاملة في مجلس واحد غير مُقسَّم.
  3. تنبيه هام: يجب المحافظة على "منهج المراجعة السابق" (مراجعة المحفوظ القديم) بالتوازي مع تكرار الـ 200 مرة؛ لئلا يتفلت القديم أثناء تثبيت الجديد.

■■■ *** ■■■

خامسًا: مرحلة التعاهد المستمر (ما بعد الإتقان)

بعد إتمام مرحلة التمكين، ينبغي للحافظ المداومة على نظام (فمي بشوق) ليختم القرآن كل أسبوع (سبع ليالٍ)؛ وهو تحزيب الصحابة المعروف بالعدد: (3، 5، 7، 9، 11، 13، المُفصَّل). وفي ذلك يُنشد:
(فَمِي بِشَوقٍ إلَى القُرآنِ فِي عُمُرِي *** فِي كُلِّ سَبعِ لَيَالٍ ثُمَّ أَخْتَتِمُهْ).

■■■ *** ■■■

[وقفة تأملية]
وقد تأملتُ أول هذه الطريقة فوجدتها متينة البنيان؛ ذلك أن تكرار المحفوظ يظل عسيرًا على اللسان، يخفق صاحبه تارة وينجح أخرى، حتى يصل إلى المرة (18) تقريبًا، حينها يبدأ اللسان والذاكرة بالاستجابة للتكرار السليم. وعند الوصول للمرة (20) يستقيم الأمر، فتكون الـ (40) مرة التالية بمثابة التثبيت لهذه العشرين.. فسبحان من هداهم.


الخلاصة المختصرة لـ: منهج د. عبدالله الأنصاري (طريقة التكرار)

1- مرحلة الحفظ (التأسيس اليومي):
- الإجراء: تكرار المقدار (صفحة مثلاً) 60 مرة نظرًا من المصحف + 60 مرة غيبًا.
- الشرط: أن يكون التكرار (120 مرة) في مجلس واحد متصل.
- التثبيت: قراءة المحفوظ قبل النوم، وتسميعه فور الاستيقاظ.
- المراجعة: مراجعة المحفوظ السابق يوميًا (حدرًا) لضمان عدم تفلته.
- العرض: التسميع على الشيخ يبدأ دوما من أول السورة لربط أجزائها.

2- مرحلة التمكين (بعد ختم القرآن كاملاً):
- الإجراء: العودة من أول المصحف، وتكرار المقدار المحدد غيبًا في مجلس واحد.
- العدد المطلوب (حسب الهمة):
    - الحد الأدنى: 60 - 70 مرة.
    - المتوسط: 130 - 150 مرة.
    - الغاية (الإتقان العالي): 180 - 200 مرة.
- تنبيه: يلزم الاستمرار في مراجعة المحفوظ القديم بالتوازي حتى لا يتفلت.

3- مرحلة التعاهد (مدى الحياة):
- الإجراء: الالتزام بختمة أسبوعية (نظام فمي بشوق)؛ لضمان عدم النسيان.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق